فصل: باب: أَجْرِ الحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ الاسْتِخْلاَف

7217- قوله‏:‏ ‏(‏لقد هَمَمْتُ، أو أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إلى أبي بَكْرٍ‏)‏، أَشَارَ المصنِّفُ إلى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لو صرَّح بالاستخلاف لسمَّى أبا بكرٍ، مع أنه قد نبَّه من عرض الكلام‏:‏ أن اللَّهَ ورسولَه لا يرضيان إلاَّ بخلافه رضي الله تعالى عنه، فكان كما قد قدَّره اللَّهُ تعالى‏.‏

7219- قوله‏:‏ ‏(‏سمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأبي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ‏:‏ اصْعَدِ المِنْبَرَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ‏)‏، أي ما كان أبو بكر يَصْعَدُ المِنْبَرَ حتَّى أصرَّ عليه عمر، فَصَعِدَهُ‏.‏

باب‏:‏ إِخْرَاجِ الخُصُومِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَة

وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ‏.‏

باب‏:‏ هَل للإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ المُجْرِمِينَ وَأَهْلَ المَعْصِيَةِ مِنَ الكَلاَمِمَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِه

قوله‏:‏ ‏(‏يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيراً‏)‏، قيل‏:‏ إنهم مُتَفَاصِلُون‏.‏ وقيل‏:‏ مُتَوَالُون‏.‏ وقيل‏:‏ هم الخلفاءُ الأربعةُ، والإِمامُ الحسن، والأميرُ معاوية، وبعضٌ من الخلفاء العبَّاسيين، حتى يكونَ آخرُهم المهدي‏.‏ وقيل‏:‏ دعوه على إبهامه‏.‏

كتاب‏:‏ التَّمَنِّي

باب‏:‏ مَا جَاءَ في التَّمَنِّي، وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَة

باب‏:‏ تَمَنِّي الخَير

وَقَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لَوْ كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَباً»‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ»

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم لَيتَ كَذَا وَكَذَا

أَلاَ لَيتَ شِعْرِي هَل أَبِيتَنَّ لَيلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ

باب‏:‏ تَمَنِّي القُرْآنِ وَالعِلم

عند مسلمٍ‏:‏ إيَّاكَ واللو‏.‏ وشَرَحَهُ ابن تَيْمِيَةَ‏:‏ أن التمنِّي على الأفعال الماضية لا يُنَاسِبُ عند الشرع‏.‏ وأشار البخاريُّ إلى أن فيه تقسيماً بِحَسَبِ الحال والمحال‏.‏ ولذا جاء فيه‏:‏ بما، ومن‏.‏ وحاصلُه‏:‏ أن المقامَ لو كان بحيث يُوهِمُ استعمالُ «اللَّو» فيه، ردَّ التقدير، لم يُنَاسِبْ استعماله، وإلاَّ جاز‏.‏ ولفظ اللَّو، والتمنِّي، والود، كلُّ ذلك سواءٌ في الامتناع‏.‏

فائدة‏:‏ واعلم أن الحرفَ الثنائيَّ إذا جُعِلَ اسماً يُشَدَّدَ حرفه الآخر، كما كما رَأَيْتَ في «اللَّو»‏.‏

باب‏:‏ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي

‏{‏وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَآء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ الرَّجُلِ‏:‏ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَينَا

بَّوب أوَّلاً بما يَحْسُنُ من التمنِّي، ثم بوَّب بما يُضَادُّه‏.‏

باب‏:‏ كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ العَدُو

وَرَوَاهُ الأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّو

وقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 80‏)‏‏.‏

7237- قوله‏:‏ ‏(‏لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ‏)‏‏.‏

كتاب‏:‏ أَخْبَارِ الآحَاد

باب‏:‏ مَا جَاءَ في إِجَازَةِ خَبَرِ الوَاحِدِ الصَّدُوقِ في الأَذَانِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالفَرَائِضِ وَالأَحْكَام

وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏{‏فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 122‏)‏، وَيُسَمَّى الرَّجُلُ طَائِفَةً لِقَوْلِهِ تَعَالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 9‏)‏، فَلَوِ اقْتَتَلَ رَجُلاَنِ دَخَلَ في مَعْنَى الآيَةِ‏.‏ وَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 6‏)‏، وَكَيفَ بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم أُمَرَاءَهُ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِنْ سَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ رُدَّ إِلَى السُّنَّةِ‏.‏

باب‏:‏ بَعْثِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم الزُّبَيرَ طَلِيعَةً وَحْدَه

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 53‏)‏

فَإِذَا أَذِنَ لَهُ وَاحِدٌ جَازَ

باب‏:‏ مَا كَانَ يَبْعَثُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم مِنَ الأُمَرَاءِ وَالرُّسُلِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِد

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس‏:‏ بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم دِحْيَةَ الكَلبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى‏:‏ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيصَرَ‏.‏

باب‏:‏ وَصَاةِ النبي صلى الله عليه وسلّم وُفُودَ العَرَبِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَنْ وَرَاءَهُم

قَالَهُ مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ‏.‏

دَخَلَ المصنِّفُ في بعض مسائل الأصول، فَذَكَرَ إجازةَ خبر الواحد، وقد تكلَّمنا على المسألة فيما مرَّ مبسوطاً‏.‏ وحاصلُهُ‏:‏ أنه يُفِيدُ القطعَ إذا احتفَّ بالقرائن، كخبر الصحيحين على الصحيح، بيد أنه يكون نظرياً‏.‏ ونُسِبَ إلى أحمد‏:‏ أن أخبارَ الآحاد تُفِيدُ القطعَ مطلقاً‏.‏ ثم إن ما ذكَرَه المحدِّثون في تعريفات أقسام الحديث من المتواتر، وخبر الآحاد، والمشهور ليس بجيدٍ، والأحسن ما ذَكَرَهُ الحَسَامِي، كأنه روحُ الكلام ومُخُّه، فراجعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ‏}‏‏)‏ ولا أرى اللغويين أن يجوِّزوا صدقَ لفظ الطائفة على فردٍ واحدٍ، فلا يستقيمُ تمسُّكه منه‏.‏ وللمصنِّف أن يَجْعَلَهُ صادقاً على الواحد أيضاً، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 9‏)‏، فإن الواحدَ من الجانبين أيضاً داخلٌ في سياق الآية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن سَهَا أَحَدٌ مِنْهُم، رُدَّ إلى السُّنَّةِ‏)‏، أي إن أَخْطَأَ أحدُهم، فَدُلُّوه إلى الصواب‏.‏

باب‏:‏ خَبَرِ المَرْأَةِ الوَاحِدَة

7267- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ قال لي الشَّعْبِيُّ‏:‏ أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الحَسَنِ- أي البصريّ- عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ‏؟‏، يعني يتعجَّبُ منه أنه يُكْثِرُ الأحاديثَ، مع أنه تابعيٌّ لم يَلْقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم فأحاديثُه مراسيلُ‏.‏

7267- قوله‏:‏ ‏(‏وقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيباً من سَنَتَيْنِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وذَكَرْتُ في «نيل الفرقدين»‏:‏ أن الشعبيَّ مع طول ملازمته بابن عمر إلى سنتين، ما بالُه لم يَرَهُ يَرْفَعُ يديه‏.‏ فراجع تفصيله من «نيل الفرقدين»‏.‏

كتاب‏:‏ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ‏:‏ وَقَعَ هُنَا يُغْنِيكُمْ وإِنَّما هو نَعَشَكُمْ‏.‏ يُنْظَر في أَصْل كتاب الاعتصام‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ»

أي في حُجِّيَّتِهِمَا‏.‏ ولعلَّ المصنِّفَ لا يَعْمَلُ بالقياس مطلقاً، ولذا لم يتعرَّض إلى إثبات حُجِّيَّتِهِ، بل بوَّب على خلافه كما يَظْهَرُ من تبويبه بباب ما يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأي وتَكَلُّفِ القِيَاسِ، وقوله في الباب بعده‏:‏ ممَّا عَلَّمَه اللَّهُ، لَيْسَ برأي ولا تمثيلٍ‏.‏ فَأَطْلَقَ في ذمِّ القياس، ولم يُوم إِلى تفصيلٍ بين قياسٍ وقياس‏.‏ ولذا أَقُولُ‏:‏ إنه يُنْكِرُهُ مطلقاً‏.‏ ولمَّا كان الشَّارِحُون مُتَمَذْهِبينَ بمذاهب الأئمة الأربعة، وفيها العملُ بالقياس، قالوا‏:‏ إن المصنِّفَ إنَّما ذَمَّ الفاسدَ منه لا مطلقاً‏.‏

قلتُ‏:‏ أمَّا حُجِّية القياس، فكما ذكرتم، وأمَّا كون البخاريِّ أيضاً ذَهَبَ إليه، فلا أَفْهَمُهُ من كلامه‏.‏ وإنما السبيلُ أن يُدْرَكَ مراد المتكلِّم أولاً على وجهٍ أَرَادَهُ، لا تأويله من الرأس، فإنه ربما يَعُودُ توجيهاً للقول بما لا يَرْضَى به قائله‏.‏ فالذي يَظْهَرُ لي أن مذهبَهُ فيه كالظاهريِّ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

فإن قلتَ‏:‏ إنه كيف يُنْكِرُ القياسَ، مع وفور الأقيسة منه في كتابه‏؟‏ قلتُ‏:‏ ولعلّه لا يسمِّيه قياساً، ولا يَعْمَلُ به، ولكن يَعْمَلُ بتنقيح المناط‏.‏ ومحصَّل الفرق بينهما‏:‏ أن النصَّ إذا وَرَدَ بموردٍ يَنْظُرُ فيه المجتهدُ، فيميِّز بين الأوصاف المؤثِّرة وغيرها، فإذا نقَّحها يَعُمُّ النصُّ لا محالة عن مورد النصِّ، ويَدُورُ حكمُهُ على تلك الأوصاف أينما وُجِدَت‏.‏ وحينئذٍ متى ما يتحقَّق المناط الذي حقَّقه، يتحقَّق الحكمُ المنصوصُ أيضاً‏.‏ فالنظرُ فيه أولاً يكون في النصِّ، وثانياً في الجزئيات الخارجية، ثم حكمُها لا يُتَلَقَّى من جهة قياسها على أصلٍ، بل من تحقُّق ذلك المناط فيها‏.‏ بخلاف القياس، فإنَّه لا نَظَرَ فيه أولاً إلى النصِّ، بل النظرُ أولاً في الجزئيات، فإذا طَلَبَ لها المجتهدُ حكماً، نَظَرَ إلى النصوص لِيُلْحِقَهَا بأقربها، فإذا صادق نصّاً علَّله، وبالتعليل يَعُمُّ لا محالة‏.‏ وحينئذٍ يَسُوغ له أن يَأخُذَ حكم تلك الجزئيات من ذلك النصِّ‏.‏ فالنظرُ فيهما بين النصوص والجزئيات متعاكسٌ‏.‏

وهذا، وإن اتَّحدا في المآل، ولكنهما عَمَلاَن مُتَغَايِرَان يَتَفَاوَتَان قوةً وضعفاً‏.‏ وقد أَجَادَ الغزاليُّ في إثبات حُجِّية القياس، فراجعه من «مستصفاه»‏.‏ قلتُ‏:‏ إن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يَعْمَلُون بالقياس الجليِّ، ولا أراهم يتأخَّرُونَ عنه، حتَّى قال ابنُ جرير الطبري‏:‏ إن إنكارَه بدعةٌ، وقد ذكرنا الاستدلالَ على حُجِّيته آنفاً بالنصِّ‏.‏

باب‏:‏ الاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً‏}‏ ‏(‏الفرقان‏:‏ 74‏)‏، قَالَ‏:‏ أَئِمَّةً نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا، وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا‏.‏ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ‏:‏ ثَلاَثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفسِي وَلإِخْوَانِي‏:‏ هذهِ السُّنَّةُ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا، وَالقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْهُ، وَيَدَعُوا النَّاسَ إِلاَّ مِنْ خَيرٍ‏.‏

باب‏:‏ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيه

وَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}‏ ‏(‏المَائدة‏:‏ 101‏)‏‏.‏

7282- قوله‏:‏ ‏(‏يا مَعْشَرَ القُرَّاءِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي يا من لهم الاشتغالُ بالقرآن استقيموا، فإن كثيراً من الناس قد سَبَقُوكم، فلو أَخَذْتُم عن يمين الصراط السويِّ وشماله‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

7294- قوله‏:‏ ‏(‏لقد عُرِضَتْ عليَّ الجَنَّةُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ومرَّ من قبل لفظ‏:‏ صُوِّرَت، ومُثِّلت، وبينهما فرقٌ‏.‏ فإنَّ التصويرَ والتمثيلَ يَدُلُّ على اقتراب الجنة بنحوٍ، ويَصِحُّ لفظ العرض فيما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم رآها وهي بمكانها برفع حُجُبٍ، أو غيره‏.‏

7296- قوله‏:‏ ‏(‏لن يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ أي لا يَزَالُون يَقِيسُون المخلوقَ على مخلوقٍ آخر، حتَّى يَقِسُون الخالقَ أيضاً على المخلوق، فيقولون‏:‏ من خَلَقَ الله، وهو باطلٌ‏.‏ فإن الأمرَ إذا وَصَلَ إلى ما بالذات انتهى‏.‏ وفيه دليلٌ على استحالة تسلسل العِلَل‏.‏

7297- قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏ ‏(‏الإسراء‏:‏ 85‏)‏‏)‏ وهي ما لم تتصل بالجسم، ولم تتلوَّث بالألواث البشرية، تسمَّى روحاً، فإذا اتَّصلت بها سُمِّيت نفساً ونَسَمَةً، وحينئذٍ تتغيَّر بعضُ صفاتها أيضاً‏.‏ وقد وَرَدَ إطلاقُ المولود على النَّسَمَةِ دون الروح، وقد ذَكَرْنَا الفرقَ بينهما من قبل‏.‏ ثم التنقيحُ، وإن ساوى القياسَ في المآل، لكنهما أَمْرَان مُتَغَايِرَان‏.‏ فإنَّ المجتهدَ في التنقيح يفرِّقُ بين الأوصاف الدخيلة في الحكم وغيرها من غير التفاتٍ منه إلى الخارج، فإذا تقرَّر المناطُ عنده عَمَّ حكمُ النصِّ، وحينئذٍ فيجريه إلى الجزئيات‏.‏ بخلاف القياس، فإنه يَحْتَاجُ إلى التعليل بعد التفاته إلى الجزئيات، فإنَّ إلحاقها بنصَ يحتاج إلى تجريد النصِّ عن خصوصيات المورد، لِيَعُمَّ حكمُه، فإذا نَظَرَ في علَّة الحكم عَمَّ حكمُهُ، لكنه من خارج‏.‏ فكأنَّ الحاكمَ في التنقيح هو النصُّ، والحاكمَ في القياس هو الإِلحاقُ، فإن التعليلَ لأجل الإِلحاق لا غير‏.‏ ومن ههنا ظَهَرَ السِّرُّ في كون التنقيح أقوى‏.‏

ثم اعلم أن اللَّهَ سبحانه ذَمَّ الظَّنَّ لمعنًى آخر، وهو أن الظَّنَّ المذمومَ هو إيجادُ الشيء من جانبه بدون نظرٍ في الخارج‏.‏ والعلمُ هو ما يُتَلَقَّى من الخارج، فإِذا تفحَّصت عن الواقع، ثم عَلِمْتَ أنه على تلك الصفة مثلاً، فذلك هو العلمُ‏.‏ وأمَّا إذا جَلَسْتَ على أَرِيكَتِكَ مطمئناً، ولم تُتْعِبْ نفسك، ثم جعلتَ تَحْكي عن الواقع تخميناً لا غير، فذلك هو الظَّنُّ المذمومُ‏.‏ وإلاَّ فأكثرُ علومنا من قبيل الظنون لا غير‏.‏

باب‏:‏ الاِقْتِدَاءِ بِأَفعَالِ النبي صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ في العِلمِ، وَالغُلُوِّ في الدِّينِ وَالبِدَع

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ آوَى مُحْدِثا

رَوَاهُ عَلِيٌّ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم

دَخَلَ في بيان حكم أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد الفراغ عن بيان حكم أقواله عليه الصَّلاة والسَّلام‏.‏

والغُلُوُّ في البِدَع‏:‏ بأن يُحْرَمَ عن العمل بالسُّنَّةِ، فجعل يَخْتَرِعُ البِدَعَ لِيَعْمَلَ بها‏.‏

7300- قوله‏:‏ ‏(‏ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بها أَذْنَاهُمْ‏)‏، وهو حالُ صلاة الجماعة عندنا، فيتحمَّلُ الإِمامُ عن قراءة الجميع، حتى تكونَ قراءتُهم واحدةً‏.‏

7302- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ كَادَ الخَيِّرَانِ أن يَهْلِكَا‏)‏، يريد أبا بكرٍ، وعمر‏.‏

7302- قوله‏:‏ ‏(‏كأخي السِّرَار‏)‏، وهو عندي بمعنى الصاحب، أي‏:‏ سر كوشى والا‏.‏

7304- قوله‏:‏ ‏(‏ولم يَأْمُرْهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بِفِرَاقِهَا‏)‏ وأَخْطَأَ هذا الراوي، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قد كان أَمَرَهُ بفراقها، كما مرَّ مِرَاراً‏.‏ أو يُقَالُ معناه‏:‏ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يَأْمُرْهُ أن يطلِّقَهَا، ولكنَّه طلَّقها هو من عند نفسه‏.‏

7305- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَ العَبَّاسُ‏:‏ يا أميرَ المؤمنين اقْضِي بيني وبين الظَّالِمِ، اسْتَبَّا‏)‏ وترجمة السِّبَاب‏:‏ برا بهلا كهنا‏.‏ ومثلُه يسعُ للعبَّاس، فإن له كان قرابةً وسناً، وإن كان الأفضلُ علياً، فإن القرابةَ والسِّنَّ مُرَخِّصٌ لمثل هذه الأمور‏.‏

باب‏:‏ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ القِيَاس

‏{‏وَلاَ تَقْفُ‏}‏‏:‏ لا تَقُل ‏{‏مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ ‏(‏الإسراء‏:‏ 36‏)‏‏.‏

باب‏:‏ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَل عَلَيهِ الوَحْيُ، فَيَقُولُ‏:‏ «لاَ أَدْرِي»‏.‏ أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيهِ الوَحْيُ، وَلَمْ يَقُل بِرَأْيٍ وَلاَ بِقِيَاس

لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 105‏)‏‏.‏ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ‏:‏ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ، حَتَّى نَزَلَت الآيَةُ‏.‏

باب‏:‏ تَعْلِيمِ النبي صلى الله عليه وسلّم أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَّهُ اللَّهُ،لَيسَ بِرَأْيٍ وَلاَ تَمْثِيل

وقد مرَّ منِّي أنه مِنْكِرٌ للقياس مطلقاً، وهو حقُّ ألفاظه، وتراجمه‏.‏ والشَّارِحُون حَمَلُوا كلامه على مختاراتهم‏.‏ والذي ينبغي أن يُعْطَى أولاً حقُّ كلام المتكلِّم لِيَظْهَرَ مراده‏.‏ فالمصنِّفُ عَمِلَ في كتابه بالتنقيح، وعَدَلَ عن القياس‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ يُقَاتِلُونَ»

وَهُمْ أَهْلُ العِلمِ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 65‏)‏

أقولُ‏:‏ مرادُه أن القائسين لا يَنْعَدِمُون، وإن قَلُّوا‏.‏

باب‏:‏ مَنْ شَبَّهَ أَصْلاً مَعْلُوماً بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا، لِيَفهمَ السَّائِل

دَفْعُ دَخَلٍ مقدَّرٍ‏.‏ أمَّا تقريرُ الدَّخَل، فبأنك قد أَنْكَرْتَ القياسَ مع ثبوته من الحديث، كقوله صلى الله عليه وسلّم «لَعَلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَهُ»، وكقوله صلى الله عليه وسلّم «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضَيْتِهِ‏؟‏ قالت‏:‏ نعم»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ فهذا كما ترى، كلُّه قياسٌ، فكيف يَسُوغُ لك إنكاره‏؟‏ وأمَّا تقريرُ الدفع، فبأنه من باب التنظير للتفهيم والإِيضاح، لأن الحكمَ فيهما من نصَ مستقلَ، وليس أن حكمَ المشبَّه اسْتُقَى من النصِّ المشبَّه به‏.‏ فإذا كان حكمُ المشبَّه، والمشبَّه به من النصِّ، ظَهَرَ أنه لا قياسَ فيه، بل تشبيهٌ للتفهيم والتوضيح لا غير‏.‏

باب‏:‏ مَا جَاءَ في اجْتِهَادِ القُضَاةِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى

لِقَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ‏}‏ ‏(‏المَائدة‏:‏ 45‏)‏ وَمَدَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم صَاحِبَ الحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا لاَ يَتَكَلَّفُ مِنْ قِيلِهِ، وَمُشَاوَرَةِ الخُلَفَاءِ وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ العِلمِ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»

يريدُ أن الاجتهادَ غيرُ القياس‏.‏ فإن الغَوْرَ في إطلاق القرآن، وتقييده، والعموم، والخصوص، وما ذَكَرَهُ الأصوليون من تقاسيم الكتاب كلُّها يجري فيها الاجتهادُ‏.‏ فمحلُّ الاجتهاد هذه دون القياس، فإنه مذمومٌ عنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ‏)‏، كأنَّه يُرِيدُ أن القياسَ تكلُّفٌ من قِبَلِهِ، فلا يَفْعَلُهُ‏.‏ وليعلم أن النَّسائيَّ قد تَبِعَ البخاريَّ في كثيرٍ من التراجم من كتاب القضاء من «صغراه» فترجم‏:‏ باب الحكم بالتشبيه والتمثيل، ثم أَخْرَجَ تحته الأحاديثَ التي أخرجها المصنِّفُ في باب من شَبَّه أصلاً مَعْلُوماً‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وكذلك تراجمه الأخرى، فليراجع من كتابه‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَة

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 25‏)‏ الآيَةَ‏.‏

وتلك من سُنَّة الله عزَّ وجلَّ‏:‏ أن من سَنَّ سُنَّةً لم تَكُنْ من قبل فابتدعها للناس، أنه لا يَزَالُ يَقَعُ على مبدعها كِفْلٌ منها من أجرٍ، أو وزرِ ما دام يَفْعَلُهَا الناسُ‏.‏

باب‏:‏ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلمِ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيهِ الحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بهما مِنْ مَشَاهِدِ النبي صلى الله عليه وسلّم وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمُصَلَّى النبي صلى الله عليه وسلّم وَالمِنْبَرِ وَالقَبْر

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الاْمْرِ شَىْء‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 128‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 54‏)‏ وَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ ‏(‏العنكبوت‏:‏ 46‏)‏

شرح في بيان حُجِّية الإِجماع، لا سِيَّما إجماعُ أهل الحرمين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومَا كَان بهما من مَشَاهِدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم أَشَارَ منه إلى التوارث، وذاك لا يَحْتَاجُ إلى الإِسناد، بل الأخذُ فيه يكون من طبقةٍ عن طبقةٍ، وأَخْرَجَ له أحاديث، والمقصودُ منها ذكر الأشياء الثابتة من التوارث، كالمنبر، والمُصَلَّى، والقَبَاء، ومدفن أمهات المؤمنين، إلى غير ذلك مما ثَبَتَ كلّه من التوارث‏.‏

7322- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّما المَدِينَةُ كالكِيرِ‏)‏، شبَّهها بالكِيرِ، لأنَّ الكِيرَ إنَّما ينفي الخَبَثَ عن الحديد بعد شِدَّةٍ ومدَّةٍ، فكذلك المدينة‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَكَذلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 143‏)‏ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ العِلمِ

ح

وراجع تفسيرَه من «فتح العزيز»، وقد احتجَّ به الشافعيُّ في الإِجماع، بأن شهادتنا إذا اعْتُبِرَت فيمن سَلَفُوا، فكيف لا يُعْتَبَرُ بها فينا‏.‏ والوسطُ‏:‏ أي بين الإِفراط والتفريط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بِلُزُومِ الجماعَةِ، وهُمْ أَهْلُ العِلْمِ‏)‏ وقد مرَّ منِّي التنبيه على أن أحاديثَ الأمر بلزوم الجماعة إنَّما وَرَدَتْ في الجماعة مع الأمير، وعرضُها في مسألة الباب بعيدٌ إلاَّ بضربٍ من التأويل‏.‏ أو يُقَالُ‏:‏ إن مِصْدَاقَ لزوم الجماعة هي إطاعةُ الأمير أوَّلاً، والإِجماع ثانياً، وقد نبَّهناك على أنه قد يُرَادُ من اللفظ معنيان‏:‏ يكونُ أحدهما مُرَاداً أوليّاً، والآخر ثانوياً‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اجْتَهَدَ العَامِلُ أَوِ الحَاكِمُ، فَأَخْطَأَ خِلاَفَ الرَّسُولِمِنْ غَيرِ عِلمٍ، فَحُكْمُهُ مَرْدُود

لِقَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»‏.‏

باب‏:‏ أَجْرِ الحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأ

وعند الترمذيِّ‏:‏ «أن المجتهدَ إذا اجتهد فَأَصَابَ، فله أجران، وإن أَخْطَأَ، فله أجرٌ» وقد كان يَخْطُرُ بالبال أنه ماذا يَقُولُون إذاً في حديث‏:‏ «الحسنةُ بعشر أمثالها‏؟‏» حتى وَجَدْتُ في حديثٍ عند أحمد في «مسنده»‏:‏ «أن له الأجر بعشر أمثاله»، وحينئذٍ تبيَّن أن ما عند الترمذيِّ بيانٌ للأجر الأصليِّ، وما عند أحمد بيانٌ للفضليِّ‏.‏

باب‏:‏ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ‏:‏ إِنَّ أَحْكَامَ النبي صلى الله عليه وسلّم كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيب بَعْضُهُمْ عَنْ مَشَاهِدِ النبي صلى الله عليه وسلّم وَأُمُورِ الإِسْلاَم

فيه رَدٌّ على الباطنية حيث زَعَمُوا‏:‏ أن المرادَ من الجنة والنار ليس ما يَظْهَرُ من اسميهما، بل هما عبارتان عن نعيمٍ، أو عذابٍ معنويين، فَرَدَّ عليهم المصنِّفُ‏:‏ أن أحكامَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كلَّها محمولةٌ على ظاهرها، لا أن لها بواطن مُخَالِفُ ظواهرها حتى يَتِمَّ ما راموه‏.‏ وكذلك نبَّه على أن كثيراً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يُدْرِكُوا كلَّ المشاهد، وجملة تعليمه صلى الله عليه وسلّم فليس أن كلَّ الدين قد بَلَغَ إلى كلِّ صحابيَ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلّم حُجَّةً، لاَ مِنْ غَيرِ الرَّسُول

وهذه مسألةُ التقرير‏.‏ فاعلم أن التقريرَ إنما يكون حُجَّةً من صاحب الشرع، دون غيره‏.‏

7355- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَ‏:‏ رَأَيْتُ جَابِرَ بن عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ باللَّهِ بأن ابن الصَّيَّاد الدَّجَّال، قُلْتُ‏:‏ تَحْلِفُ باللَّهِ‏؟‏ قال‏:‏ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ على ذَلِكَ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فم يُنْكِرْهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم قلتُ‏:‏ فما الريب إذاً في كونه دجَّالاً، وإن لم يَكُنْ الأكبر‏.‏ وله روايةٌ أيضاً في «مصنف عبد الرزاق» تكفي لدحض جميع الأباطيل التي زَخْرَفَها لعين القاديان‏.‏

باب‏:‏ الأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلاَئِلِ، وَكَيفَ مَعْنَى الدَّلاَلَةِ وَتَفسِيرُهَا

وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم أَمْرَ الخَيلِ وَغَيرِهَا، ثمَّ سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏}‏ وَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ‏:‏ «لاَ آكُلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ»‏.‏ وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النبي صلى الله عليه وسلّم الضَّبُّ، فَاسْتَدلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ لَيسَ بِحَرَامٍ‏.‏

والظاهرُ‏:‏ أنه إشارةٌ إلى تقاسيم الاستدلال من الكتاب التي ذكروها في الأصول من دلالة النصِّ وغيرها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكَيْفَ مَعْنَى الدِّلاَلَةِ‏)‏، ولمَّا تعسَّر على المصنِّف تعيينها على الوجه الأتمِّ، أتى بأمثلتها للتقريب إلى الذهن‏.‏ فأخذ من الحديثِ الأوَّلِ‏:‏ أن الأصلَ الاستدلالُ بالخاصِّ، فإذا لم يُوجَدْ الخاصُّ في الباب فبالعامِّ‏.‏ وهذا، وإن كان مختار الشافعيِّ، إلاَّ أنه قويٌّ عندي من حيث الدليل، وعليه اعتمادي‏.‏

7357- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَتْ عَاِئَةُ‏:‏ فَعَرَفْتُ الذي يُرِيدُ‏)‏، أي فعائشة فَهِمْتَ مراده صلى الله عليه وسلّم أمَّا من أيِّ طريقٍ فَهِمَتْ‏:‏ من الدلالة، أو الإِشارة‏؟‏ فالله تعالى أعلم به‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيء»

باب‏:‏ كَرَاهِيَةِ الخِلاَف

يريد به بيان حُجِّية شرائع من قَبْلِنَا‏.‏ وقد أَجَادَ الكلامَ فيه الحُسَامي‏.‏

7361- قوله‏:‏ ‏(‏وإنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ‏)‏، أي الغلط دون الكذب العمد، لأنه تابعيٌّ جليلُ القدر، كان يكلِّم مع ابن عمر، ويَسْتَفِيدُ منه علماً‏.‏ وإطلاقُ الكذب على الأغلاط كثيرٌ فيهم، فتنبيَّه له‏.‏ فإِن الإِنسانَ يتعجَّبُ أنهم يَصِفُون رجلاً بالصيام والصلاة، ثم يَنْقُلُون عنه أنه يَكْذِبُ، مع أن الكذبَ أقبحُ في الملل كلِّها، فكيف بمن صام وصلَّى، وذلك أنهم أَطْلَقُوا الكذبَ على الغلطِ أيضاً‏.‏

باب‏:‏ نَهْيُ النبي صلى الله عليه وسلّم عَلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ، وَكَذلِكَ أَمْرُه

نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا‏:‏ «أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ»، وَقَالَ جَابِرٌ‏:‏ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيهِمْ، وَلكِنْ أَحَلَّهُنَّ لهُمْ‏.‏ وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ‏:‏ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَينَا‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏(‏الشورى‏:‏ 38‏)‏، ‏{‏وَشَاوِرْهُمْ فِى الاْمْرِ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 159‏)‏‏.‏

وَأَنَّ المُشَارَوَةَ قَبْلَ العَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ، لِقَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 159‏)‏‏.‏ فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلّم لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏.‏

وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ في المُقَامِ وَالخرُوجِ فَرَأَوْا لَهُ الخرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لأْمَتَهُ وَعَزَمَ قالُوا‏:‏ أَقِمْ، فَلَمْ يَمِل إِلَيهِمْ بَعْدَ العَزْمِ وَقَالَ‏:‏ «لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيّ يَلبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ»‏.‏ وَشَاوَرَ عَلِيَّاً وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمى بِهِ أَهْلُ الاْفكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ‏.‏ وَكَانَتِ الأَئِمَةُ بَعْدَ النبي صلى الله عليه وسلّم يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ العِلمِ في الأُمُورِ المُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ الكِتَاب أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنبي صلى الله عليه وسلّم وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ كَيفَ تُقَاتِلُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»‏.‏ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَينَ مَا جَمَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ‏.‏ فَلَمْ يَلتَفتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم في الَّذِينَ فَرَّقُوا بَينَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وقَالَ النبي صلى الله عليه وسلّم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»‏.‏ وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ، كُهُولاً كَانُوا

أَوْ شُبَّاناً، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏.‏

دخل في مسألةٍ أصوليةٍ أخرى، وهي‏:‏ أن الأمرَ عند الإِطلاق للوجوب، والنهي للتحريم، إلاَّ أن تقومَ قرينةٌ بخلافه‏.‏ قلتُ‏:‏ ويُسْتَفَادُ من كلام جابر، وأم عَطِيَّة‏:‏ أن تحتَ الأمرِ والنهيِ مراتبَ‏.‏

كتاب‏:‏ التَّوْحِيد

باب‏:‏ مَا جَاءَ في دُعَاءِ النبي صلى الله عليه وسلّم أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

دَخَلَ المصنِّفُ العلاَّمة في بعض المسائل الكلامية، بعد فراغه عن مسائل الأصول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التَّوْحِيد‏)‏ بالنصب، والرفع‏.‏ أمَّا النصبُ، فبناءً على أنه مفعولٌ للردِّ، أي هذا كتاب في الرَّدِّ على توحيدهم الذي اعتقدوه‏.‏ وأمَّا الرفعُ، فلعطفه على كتاب الرَّدِّ، أي الرد عليه هو التوحيد‏.‏ ثم جَهْم بن صَفْوَان- رجلٌ مبتدعٌ، نَشَأَ من تِرْمذ في أواخر عهد التابعين- تُنْقَلُ عنه الأشياء الفلسفية من نفي الصفات، وغيرها‏.‏ وفي «المسايرة»، عن أبي حنيفة‏:‏ أنه قال له بعدما ناظره في مسألةٍ‏:‏ أخرج عنِّي يا كافر، وقد أُوِّل قوله هناك‏.‏ قلتُ‏:‏ بل ما قاله صحيحٌ، لا ينبغي أن يُؤَوَّلَ قوله، فإن شأنَ الإِمام أرفعُ من أن تجري كلمةٌ على لسانه لا يَرْضَاهَا اللَّهُ ورسولُه‏.‏ وكان جَهْمُ ينفي الصفات السبعة، كالفلاسفة‏.‏ وإليه ذَهَبَ المعتزلةُ، زعماً منهم أن الصفات إن لم تَكُنْ عينَ الذات، فإِمَّا أن تكون واجبةً، أو ممكنةً، فعلى الأوَّلِ يَلْزَمُ تعدُّد الواجب، وعلى الثاني يَلْزَمُ الحدوث‏.‏ وقام التَّفْتَازَانيُّ بجوابه، فلم يسوِّ شيئاً، غير أن قال‏:‏ إنها ممكنةٌ لذاتها، وواجبةٌ لغيرها‏.‏

قلتُ‏:‏ إن الإِمكانَ بالذات، والاستحالةَ بالغير من مخترعات ابن سِينَا، وكان الشيءُ عند قدمائهم إمَّا واجباً، أو ممكناً‏.‏ وكان الواجبُ عندهم ما يُوجَدُ أزلاً وأبداً، والممكن ما يُوجَدُ مرَّةً، ويَنْعَدِمُ أخرى‏.‏ وما لا يُوجَدُ أزلاً، وأبداً فهو ممتنعٌ عندهم‏.‏ هكذا صرَّح به ابن رُشْد‏.‏ فلمَّا جاء ابنُ سِينَا، ورأى أن بعضَ قواعدهم لا يُوَافِقُ الشرع، أَرَادَ أن يتخذَ بين ذلك سبيلاً، فاخْتَرَعَ الإِمكانَ بالذات، والمستحيلَ بالغير‏.‏ فإِطلاقُ الممكن بالذات مع الاستحالة بالغير إنما يَسُوغُ على مذهبه، ولا يَجِبُ علينا تسليم اصطلاحه، بل هي واجبةٌ عندنا، لكونها ضروريةَ الوجود، وليست بحيث تُوجَدُ مرَّةً، وتَنْعَدِمُ أخرى، فلا تكون ممكنةً‏.‏

بقي أن وجوبَها هذا بالنظر إلى ماذا‏؟‏ فذاك أمرٌ لم يَخُضْ فيه قدماء الفلاسفة ولا يُعْقَلُ، وذلك اعتبارٌ ذهنيٌّ، فإن الواجبَ بالغير إذا سَاوَقَ الواجب بالذات في استحالة الانعدام، لم يَبْقَ بينهما كثيرُ فرقٍ إلاَّ باعتبار الذهن، وذلك أيضاً ينبني على اعتبار هذا الغير خارجاً‏.‏ فلو اعْتَبَرْنَاهُ داخلاً، عاد إلى الواجب بالذات، لكون الوجوب حينئذٍ من مقتضيات الذات دون الخارج‏.‏

وأمَّا قولُهم‏:‏ إن القيامَ بالغير يُلاَزِمُ الاحتياج، وهو مناطُ الإِمكان، فباطلٌ أيضاً، لبنائه على قواعد ابن سِينَا‏.‏ فإن نفسَ الاحتياج لا يُوجِبُ الإِمكان عندنا، لأنه عبارةٌ عن وجود شيءٍ مرَّةً، وانعدامه أخرى‏.‏ فإذا لَزِمَتْ تلك الصفات ذات الواجب لزومَ الضوء لجرم الشمس، فقد وُجِدَتْ مع الذات أزلاً وأبداً، ولم تنفكَّ عنها في الخارج أصلاً‏.‏ فهي إذن واجبةٌ على مذهبنا، فإِنا لا نقول‏:‏ إلاَّ أنَّ الممكنَ ما يَنْعَدِمُ ويُوجَدُ‏.‏

وصرَّح ابن رُشْدٍ‏:‏ أن قدماءَهم كانوا يَقُولُون‏:‏ بأن الفلكَ واجبٌ بالذات، وممكنٌ بالتحرُّك‏.‏ فلمَّا جاء ابنُ سِينَا، وزَعَمَ أنه قولٌ لا يَسُوغُ في الشرع أصلاً، غيَّر في التعبير إلى ما رَأَيْتَ‏.‏

أمَّا قولُهم‏:‏ بأن زيادةَ الصفات تُوجِبُ الاستكمال بالغير، فليس بشيءٍ‏.‏ كيف وأن الشيخين منهم ذَهَبَا إلى أن علمَ الباري تعالى حصوليٌّ، فهل لَزِمَ منه الاستكمال بالغير‏.‏ والعجبُ من هؤلاء أنهم نفوا كثيراً من صفاته تعالى، فنفوا عنه القدرة، والإِرادة، وغيرها‏.‏ بقي العلم، فقالوا‏:‏ بأنه حصوليٌّ، فيكون غير الذات لا محالة‏.‏ فلم يَبْقَ إذن لقولهم بعينيَّةِ الصفات مفهومٌ محصَّلٌ‏.‏ وقد كَشَفْنَا عن مغالطتهم في المقدمة مفصَّلاً، فراجعه منه‏.‏

فالصوابُ أن الله سبحانه عزَّ برهانه، ليس مجرَّداً عن الكمالات في مرتبةٍ من المراتب، بل تلك الصفات من فروع كمال الذات، كما عبَّر بهذا ابن الهُمَام في «التحرير»‏.‏ ولولا الذاتُ كاملةٌ بحسب نفسها، لَمَا كانت فيها تلكل الصفات، فإنها مبدؤها‏.‏ فإن الذاتَ لبساطتها عينُ علمٍ، وعينُ كلِّ كمالٍ، بمعنى مبادىء تلك الصفات، إذ يَسْتَحِيلُ أن تتكثَّرَ الذاتُ في مرتبة ذاتها‏.‏

7375- قوله‏:‏ ‏(‏لأَنَّنَا صِفَةُ الرَّحْمنِ‏)‏، وإطلاقُ الصفة في ذاته تعالى غير مُنَاسِبٍ عند الشيخ الأكبر‏.‏ قلتُ‏:‏ كيف وقد وَرَدَ في صريح لفظ الحديث‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاْسْمَآء الْحُسْنَى‏}‏ ‏(‏الإسراء‏:‏ 110‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ‏}‏ ‏(‏الذاريات‏:‏ 58‏)‏

قال العلماءُ‏:‏ إن اسمَ الرحمن كان مشهوراً عند بني إسرائيل، واسمَ الله عزَّ وجلَّ عند بني إسماعيل‏.‏ فَلِذَا جمع القرآن بينهما في التسمية، ودَلَّ على أن تعالى أسماءَ كلَّها حُسْنَى، والذاتَ واحدةٌ‏.‏ وذَهَبَ بعضُ النحاة إلى أن «الرحمن» أيضاً من أسماء الذات‏.‏ وأَظُنُّ أنه لا بُعْدَ في أن تكونَ الرحمةُ من الصفات الذاتية، لا من صفات الأفعال‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ إن لها ضِدّاً، وهو الغضبُ، وكلاهما من صفات الرَّبِّ جلَّ مجده، فيكون من صفات الأفعال لا محالة‏.‏ قلتُ‏:‏ جاز أن يكونَ الغضبُ في مرتبة الأفعال، ولا يكون للصفة شيءٌ يقابلها‏.‏ وحينئذٍ خَرَجَ شرحٌ آخر لقوله صلى الله عليه وسلّم «سَبَقَتْ رحمتي غضبي»، بمعنى أن الرحمةَ لم يُوجَدْ لها ضِدٌّ، وصفاتِ الأفعال لها أضدادٌ‏.‏ وقد تكلَّمنا على الحديث، فيما مرَّ مبسوطاً، فتذكَّرْهُ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً‏}‏ ‏(‏الجن‏:‏ 26‏)‏، ‏{‏وإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ‏}‏ ‏(‏لقمَان‏:‏ 34‏)‏، ‏{‏وَأَنْزَلَهُ بِعِلمِهِ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 166‏)‏، ‏{‏وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 11‏)‏، ‏{‏إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ‏}‏ ‏(‏فصلت‏:‏ 47‏)‏

قَالَ يَحْيَى‏:‏ الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ عِلماً، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ عِلماً‏.‏

ولم يَقُلْ‏:‏ فلا يَظْهَرُ غَيْبَهُ على أحدٍ، لأن الغيبَ خِزَانةٌ، ولا يريد اللَّهُ سبحانه أن يطَّلِعَ أحدٌ على غيبه‏.‏ ومن ههنا جاء هذا التعبير‏.‏ قال الزمخشريُّ‏:‏ إن اللَّهَ سبحانه أخبر بعدم إظهار غيبه إلاَّ ما كان بالوحي، فانتفى الشكفُ، ولم يَبْقَ منه شيءٌ‏.‏ قلتُ‏:‏ إن الاستئناءَ منقطعٌ، والجملةُ بأسرها مستثنًى، والمعنى‏:‏ أن الاطِّلاعَ بهذه الصفة يَخْتَصُّ بالأنبياء عليهم السَّلام‏.‏ والمرادُ منها القطع، فالاطِّلاعُ على سبيل القطع من خواص الأنبياء عليهم السَّلام، فبقي الكشفُ مسكوتاً عنه‏.‏ ومعلومٌ أن ما يتلقَّوْن من أوليائه تعالى من الإِلهام والكشف، فهو على سبيل الظنِّ دون القطع‏.‏ وما يَدُلُّكَ على أن الاستثناءَ منقطعٌ، قوله تعالى في موضعٍ آخر‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 179‏)‏ فجاء بحرف «لكن»، وذلك صريحٌ في المنقطع‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ‏}‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 23‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مَلِكِ النَّاسِ‏}‏ ‏(‏الناس‏:‏ 2‏)‏

فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 180‏)‏

‏{‏سُبْحَنَ رَبّكَ رَبّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 180‏)‏‏.‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ‏}‏ ‏(‏المنافقون‏:‏ 8‏)‏، وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصَفَاتِهِ‏.‏

وَقَالَ أَنَسٌ‏:‏ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «تَقُولُ جَهَنَّمُ‏:‏ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ»‏.‏ وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم «يَبْقى رَجُلٌ بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيَقُولُ‏:‏ رَبِّ اصْرِف وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيرَهَا»‏.‏ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ‏:‏ إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ‏:‏ «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ لَكَ ذلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ»‏.‏ وَقَالَ أَيُّوبُ‏:‏ «وَعِزَّتِكَ، لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوتِ وَالاْرْضَ بِالْحَقّ‏}‏ ‏(‏الأنعَام‏:‏ 73‏)‏

والسَّلامُ بمعنى من يُسَلِّم غيرَه، لا بمعنى من يكون سالماً بنفسه، وإن تحقَّق بهذا المعنى في ذاته تعالى أيضاً‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 134‏)‏

وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النبي صلى الله عليه وسلّم ‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا‏}‏ ‏(‏المجَادلة‏:‏ 1‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ‏}‏ ‏(‏الأنعَام‏:‏ 65‏)‏

باب‏:‏ مُقَلِّبِ القُلُوب

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ‏}‏ ‏(‏الأنعَام‏:‏ 110‏)‏‏.‏

قد أَشْكَلَ عليهم إثباتُ السمع والبصر تعالى، من حيث أن علمَ الله تعالى محيطٌ بجميع الأشياء، فلم يَبْقَ شيءٌ ما إلاَّ وقد دَخَلَ في حيطته، مُبْصَراً كان أو مَسْمُوعاً، فليس شيءٌ إلاَّ وقد عَلِمَهُ اللَّهُ تعالى من علمه المحيط‏.‏ وحينئذٍ لو أثبتنا له السمعَ والبصرَ، لا تكون فيه فائدةٌ، وإنَّما كان السمعُ والبصرُ في الممكنات، لأنَّ علمَ البشر ناقصٌ جداً لا يشمل غير الكليات، أو بعض الجزئيات المجرَّدة‏.‏

أمَّا المسموعات والمُبْصَرَات، وكذلك سائر ما يُدْرَكُ بالحواس، فلا عِلْمَ لهم بهما أصلاً، فكانت تلك الصفات لتكميل علمهم‏.‏ فَذَهَبَ الغزاليُّ إلى أنهما عبارتان عن حصتين من العلم، فالعلمُ بالمسموعات هو المعبَّرُ عنه بالسمع، وكذلك البصر‏.‏ فكأنَّه أرجعهما إلى العلم، ولم يَجْعَلْ لهما مِصْدَاقاً غيره، وهذا هو المنسوبُ إلى الأشاعرة‏.‏ وذهب المَاتُرِيدِيُّ إلى كونهما غير العلم، غير أن علماءَنا لم يَذْكُرُوا لإِيضاحه شيئاً‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا الذي عرض لشيخ الإِشراق، حيث ذَهَبَ إلى أن عِلْمَه تعالى كلَّه بالإِبصار، وذلك عنده علمٌ حضوريٌّ، فَأَرْجَعَ العلمَ إلى البصر، على خلاف الغزاليِّ، فالعلمُ عنده ليس أمراً غير الرؤية، فانْحَصَرَ علمُه تعالى كلُّه في الإِبصار عنده‏.‏ أمَّا قدماءُ الفلاسفة، فلم يتعرَّض أحدٌ منهم إلى أن صفةَ السمع مذا، وصفةَ البصر ماذا‏.‏ وما لهم أن يتكلَّموا بعدما لم يُرْزَقُوا الاعتقاد بهاتين الصفتين، فإنَّ الأغبياءَ قد نفوها رأساً‏.‏ نعم جاء الإِشراقيُّ في الدورة الإِسلامية، فتكلَّم هو في السمع والبصر، وأَرْجَعَ العلمَ أيضاً إلى البصر‏.‏

وبالجملة تفرَّقت فيها كلمات القوم، فمنهم من نفاهما، ومنهم من أَدْرَجَها تحت العلم، ومنهم من عَكَسَ، فَجَعَلَ العلمَ كلَّه البَصَرَ لا غير‏.‏ فهذا ما سَمِعْتُ سعيهم في هذا الباب‏.‏ والذي أرى هو أنه لا بُدَّ من هاتين الصفتين في ذاته تعالى، فإنهما أيضاً من الصفات الكمالية، وليس من الكمالات شيءٌ إلاَّ والله تعالى سبحانه جامعٌ له‏.‏

ومحصَّل الكلام‏:‏ أن العَالَمَ قبل وجوده كان في حيطة علمه تعالى بكشفٍ تفصيليَ، فلمَّا خَرَجَ إلى ساحة الوجود تعلَّق به السمعُ والبصرُ أيضاً، لا بمعنى زيادة شيءٍ في الكشف والانجلاء بعده، بل بمعنى تكرُّر العلم بهذين النحوين أيضاً‏.‏ فهذان نحوان للانكشاف، وإن اتحدا مع العلم في الثمرة، إلاَّ أن الانكشافَ في العلم بنحوٍ آخر، وفي هاتين بنحوٍ آخر، وكلا النحوين يُغْنِي أحدُهما عن الآخر من حيث أن الانكشافَ تامٌّ فيهما‏.‏ فحينئذٍ لا يُفِيدَان إلاَّ تكرُّر العلم بهذين الطريقين أيضاً، فالسمعُ يَقْتَصِرُ على المسموعات، أمَّا البصرُ فَيَعُمُّ المبصرات‏.‏ وهذا التكرُّر إنما يكون بالنسبة إلى الباري تعالى، أمَّا في البعد فلا، فإنَّ السمعَ والبصرَ فيه يتعلَّقان بما لا يُدْرِكُهُ العقلُ، كما عَلِمْتَ، فمدركاتهما غير مدركات العقل‏.‏

وذهب جماعةٌ من المتكلِّمين إلى تعميم السمع، فجوَّز تعلُّقه بالأجساد أيضاً‏:‏ فَيُقَالُ‏:‏ سَمِعْتُ هذا الجسد‏.‏ بقي الذَّوْقُ، والشَّمُّ، وغيرهما، فهي من خواص الماديات‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ إذا كان السمعُ والبصرُ غيرَ العلم، فما معنى قِدَمهما‏؟‏ فإنَّهما لا يتعلَّقان إلاَّ بالمسموعات والمبصرات، وتلك حادثةٌ بالضرورة‏.‏ قلتُ‏:‏ قِدَمُهما كَقِدَم صِفات الأفعال عند المَاتُرِيدِيَّة، فالحلُّ هو الحلُّ، والتقريرُ هو التقريرُ، وسيأتي إيضاحُ ذلك‏.‏

7386- قوله‏:‏ ‏(‏فإنَّكُم لا تَدْعُونَ أَصَمَّ، ولا غائباً، تَدْعُون سَمِيعاً بَصِيراً قَرِيباً‏)‏ واستفدتُ منه‏:‏ أن السمعَ خاصٌّ بالمسموعات، لأنه قَابَلَهُ بالأصمِّ، والبصرُ عامٌّ، لأنه قَابَلَهُ بالغائب‏.‏

باب‏:‏ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلاَّ وَاحِدا

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏ذُو الْجَلْلِ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 27‏)‏ العظَمَةِ‏.‏ ‏{‏الْبِرَّ‏}‏ ‏(‏الطور‏:‏ 28‏)‏ اللَّطِيفُ‏.‏

باب‏:‏ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالاِسْتِعَاذَةِ بِهَا

والأسماءُ الحُسْنَى عند الأشاعرة عبارةٌ عن الإِضافات، وأما عند المَاتَرِيدِيَّة فكلها مندرجةٌ في صفة التكوين‏.‏ ثم إن قولَه‏:‏ «مئة إلاَّ واحدة»، بعد قوله‏:‏ «إن تسعةً وتسعين اسماً»، ليس إلاَّ تفنُّناً في التعبير‏.‏

واعلم أنَّ للقوم نِزَاعاً في أن أسماءَه تعالى عينُ المسمَّى، أو غيره‏؟‏ ولا يُعْلَمُ ماذا منشؤه، كما نيَّة عليه في بعض حواشي البيضاويِّ وقد كان السيد الجُرْجَاني أراده في «شرح المواقف»، لكنه اخطتفته المنايا قبل تكميله‏.‏ وذكر الغزاليُّ، وغيرُه‏:‏ أن أصلَ نزاعهم كان في صفاته تعالى، أنها عينُه، أو غيره‏.‏ ولما كانت الأسماءُ مشتقةً من تلك الصفات، سَرَى هذا الاختلاف في الأسماء أيضاً‏.‏

باب‏:‏ مَا يُذْكَرُ في الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّه

وَقَالَ خُبَيبٌ‏:‏ وَذلِكَ في ذَاتِ الإِلهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى‏.‏

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً *** عَلى أَيِّ شِقّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذلِكَ في ذَاتِ الإِلهِ وَإِنْ يَشَأْ *** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ

فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا‏.‏

قد تردَّد بعضُهم في إطلاق الذات على الله تعالى، لكونها مؤنَّث ذو، فَأَزَاحَهُ المصنِّفُ وجوَّزه، سواء قلتَ‏:‏ إنها مؤنَّث ذو، أو قلتَ‏:‏ إنها اسمٌ مستقلٌّ، وعلى الأوَّلِ تكون منسلخةً عن معنى التأنيث، وتكون للجزء المعيَّن فقط‏.‏ ثم لفظُ النعت أَوْلَى من لفظ الصفة، وذلك لأنَّ المتكلِّمين قسَّمُوهَا إلى قسمين‏:‏ عقلية، وسمعية، وأَرَادُوا من العقلية‏:‏ الصفات السبع، ومن السمعية نحو‏:‏ يد، ووجه، وغيرهما من المُتَشَابِهَات‏.‏ وإنما سمَّوها صفاتٍ سمعيةً لكونها مما لا يُدْرَكُ إلاَّ من جهة السمع‏.‏

وعبَّر المصنِّفُ عن تلك الصفات بالنعوت، وهو الأقربُ‏.‏ فإن لفظَ الصفة على مصطلح أهل العرف يَدُلُّ على كونها معانٍ خارجةً عن الذات‏.‏ فتسميتها بالنعت أَوْلَى، لأن النعتَ هو وصفٌ حلية لأحد، ليفيد معرفته كما في حديث مسلم في حديث ذي الخُوَيْصِرَةِ، فإذا هو على النعت الذي نعته النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وقد سمَّاها الشاهُ عبد العزيز حقائقَ إلهيةً، وكُنْتُ أرى أن تعبيرَها بالنعت أَوْلَى من تعبيره، ثم بدا لي أنه لعلَّه أخذه من الشيخ الأكبر‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَيُحَذّرْكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 28‏)‏

وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ‏}‏ ‏(‏المَائدة‏:‏ 116‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ‏}‏ ‏(‏القصص‏:‏ 88‏)‏

والظاهرُ حَجْرُ إطلاق النفس على ذاته تعالى، لأنَّه من التنفُّس‏.‏ إلاَّ أن المصنِّفَ جوَّزه، نظراً إلى ورود الشرع به، فيكون مبنيّاً على الانسلاخ‏.‏

7405- قوله‏:‏ ‏(‏أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي‏)‏ وآخرُ ما وَضَحَ لي في مراده‏:‏ أنَّ كلَّ أحدٍ يُحِبُّ صاحباً يكون معه ليَسْكُنَ إليه، ويطمئنَ به، فذلك من خاصَّة الذكر‏.‏ فَمَنْ ذَكَرَ الله تعالى يَجِد الله تعالى جليسه، وعنده يطمئنُّ بذكره قلبه، ويَنْشَرِحُ به صدره، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏}‏ ‏(‏الرعد‏:‏ 28‏)‏‏.‏ وهكذا وَرَدَ في لفظٍ‏:‏ «أنا معه إذا ذَكَرَني»، فمعيته تعالى هي من خاصة ذكره جلَّ مجده‏.‏ فإنَّ الإِنسانَ يَشْمَئِزُّ من الوحدة والانفراد، ويَحْرِصُ على أن يكونَ معه آخر يَسْتَأْنِسُ به‏.‏ فمن ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، فإنَّه يجده عنده ومعه يَسْتَأْنِسُ به، ويَسْتَلِذُّ بقربه‏.‏ كيف لا وهو الرفيقُ الأعلى‏.‏

وحينئذٍ ظَهَرَ معنى الفاء في قوله‏:‏ «فإن ذكرني في نفسه»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وهل أَدْرَكْتَ معنى قوله‏:‏ «في نفسي‏؟‏»، ولعلَّك ما ذُقْتَهُ‏.‏ فاعلم أنه مقابلٌ لقوله‏:‏ «فإن ذكرني في ملأ»‏.‏ ومعلومٌ أن التكلُّمَ يَستدعي أن يكونَ هناك أحدٌ يَسْمَعُ كلامه ليخاطبه، وإذا لم يَكُنْ هناك أحدٌ، لا بُدَّ إلى قيدٍ في النفس، أو يَحْذُوَ حَذْوَهُ‏.‏ فإذا قلتَ‏:‏ تكلَّمتُ في نفسي، يكون معقولاً ولو لم يَكُنْ هناك أحدٌ‏.‏ فلو لم يَكُنْ هناك أحدٌ يَسْمَعُ كلامك، وقلتَ‏:‏ تكلَّمْتُ- بدون قيدٍ- لم يعقَّل المعنى‏.‏ وههنا لمَّا كان الذكرُ في النفس مقابلاً لذكره في ملأٍ، قيَّده به ليعقل الذكر بدون ملأٍ‏.‏ فافهم، ولا تَعْجَل، فَرُبَّ عَجَلَةٍ تُفْضِي إلى عَثُرَةٍ‏.‏

ثم إنه لا دليلَ فيه على فضل الذكر السريِّ على الجهريِّ، والذي فيه‏:‏ أن الجزاءَ من جنس عمله، فَجُوزِيَ كما عَمِلَ‏.‏ فإذا ذَكَرَهُ في ملأٍ يُذْكَرُ في ملأٍ، لأن هذا جزاءه من جنس عمله‏.‏ وإذا ذَكَرَ خالياً، يُذْكَرُ كذلك لكون ذلك جزاءه، لا لأنَّه أفضل أو مفضول‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى‏}‏ ‏(‏طه‏:‏ 39‏)‏

تُغَذَّى‏.‏ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ‏(‏القمر‏:‏ 14‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ‏}‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 24‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ‏}‏ ‏(‏ص‏:‏ 75‏)‏

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ‏:‏ سَمِعْتُ سَالِماً‏:‏ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم بِهذا‏.‏

فالعينُ، والوجهُ، وأمثالُهما كلُّها من النعوت‏.‏ وما أحلى تلك الكلمات في شأن موسى عليه الصلاة والسَّلام‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»

وَقَالَ عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ المَلِكِ‏:‏ لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَدةً‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 19‏)‏

وسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفسَهُ شَيئاً، قُلِ اللَّهُ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم القُرْآنَ شَيئاً، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ‏.‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ‏}‏ ‏(‏القصص‏:‏ 88‏)‏‏.‏

فيه إطلاقُ الشخص على ذاته تعالى، مع عدم صُلُوحه لغةً، فهو أيضاً مبنيٌّ على التجريد والانسلاخ عن معناه الأصليِّ‏.‏ ونُوقِشَ أن الحديث في مورد النفي، والمقصودُ هو إثباتُ إطلاقه عليه تعالى‏.‏ قلتُ‏:‏ فلينظر في أن «من» التفضيلية إذا وَرَدَتْ بعد النفي، فهل يكون فيه إطلاق المنفي على مدخولها، أو لا‏؟‏‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآء‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 7‏)‏

‏{‏وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 129‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ‏}‏ ‏(‏المعارج‏:‏ 4‏)‏‏.‏

وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيّبُ‏}‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 10‏)‏‏.‏

وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ بَلَغَ أَبَا ذَرّ مَبْعَثُ النبي صلى الله عليه وسلّم فَقَالَ لأَخِيهِ‏:‏ اعْلَمْ لِي عِلمَ هذا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ‏.‏ وَقَالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ‏}‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 10‏)‏‏:‏ يَرْفَعُ الكلِمَ الطَّيِّبَ‏.‏ يُقَالُ‏:‏ ‏{‏ذِي الْمَعَارِجِ‏}‏ ‏(‏المعارج‏:‏ 3‏)‏‏:‏ المَلاَئِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ‏.‏

ذَهَبَ الحافظُ ابن تَيْمِيَة إلى قِدَمِ العرش- قِدَماً نوعيّاً ، وذلك لأنه إذا أخذ الاستواء بالمعنى المعروف، اضْطَرَّ إلى قِدَم العرش لا محالة، مع حديثٍ صريحٍ عند الترمذيِّ في حدوثه، ففيه‏:‏ «ثم خَلَقَ عرشه على الماء»‏.‏ بَقِيَ الأشعريُّ، فلا حقيقةَ له عنده غير تعلُّق صفةٍ من صفات الله تعالى به‏.‏ قلتُ‏:‏ أمَّا الاستواءُ بمعنى جلوسه تعالى عليه، فهو باطلٌ لا يَذْهَبُ إليه إلاَّ غبيٌّ، أو غويٌّ‏.‏ كيف وأن العرشَ قد مرَّت عليه أحقابٌ من الدهر لم يَكُنْ شيئاً مذكوراً، فهل يُتَعَقَّلُ الآن الاستواء عليه بذلك المعنى‏؟‏ نعم أقول‏:‏ إن هناك حقيقةً معهودةً عبَّر عنها بهذا اللفظ، فليس الاستواءُ عندي محمولاً على الاستعارة، ولا على الحسيِّ الذي نتعقَّلُه، بل هو نحوٌ من التجلي، وقد كشفنا عنه من قبل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏اسْتَوَى إِلَى السَّمَآء‏}‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أثبت تعالى العُلُوَ على ما يَلِيقُ بشأنه‏.‏ قال الحافظُ ابن تَيْمِيَة‏:‏ من أَنْكَرَ الجهَةَ تعالى، فهو كمن أَنْكَرَ وجودَه عزَّ برهانه‏.‏ فإِنه وجودُ الممكن، كما لا يكون إلاَّ في جهةٍ، وإنكارُ الجهة له يَؤُول إلى إنكار وجوده‏.‏ كذلك الله سبحانه، لا يكون إلاَّ في جهةٍ وهي العُلُو، وإنكارها يَنْجَرُّ إلى إنكار وجوده‏.‏

قلتُ‏:‏ ويا للعجبَ ويا للأسف، كيف سوَّى أمرَ الممكن، والواجب‏؟‏ أَمَا كان له أن يَنْظُرَ أنَّ من أَخْرَجَ العالمَ كلَّه من كتم العدم إلى بقعة الوجود، كيف تكون علاقته معه كعلاقة سائر المخلوقات‏؟‏ فإنَّ اللَّهَ تعالى كان ولم يكن معه شيءٌ، فهو خالقٌ للجهات‏.‏ وإذن كيف يكون استواؤه في جهةٍ كاستواء المخلوقات، بل استواؤه كمعيته تعالى بالممكنات، وكأقربيته‏.‏ والغُلُو في هذا الباب يُشْبِهُ القولَ بالتجسيم، والعياذ بالله أن نتعدَّى حدودَ الشرع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏‏)‏ يَحْتَمِلُ معنيين‏:‏ الأول‏:‏ أن الكَلِمَ الطَّيِّبِ يَصْعَدُ إلى الله تعالى، لكنه لا بُدَّ للصعود من مَصْعَدٍ يُصْعِدُهُ، فَدَلَّ على أنه العملُ الصالحُ‏.‏ والثاني‏:‏ أن الكلمات الطيبات تَصْعَدُ إلى الله تعالى، ولا تحتاج إلى مصعد‏.‏ وأمَّا العملُ الصالح، فإنه لا يُرْفَعُ إلاَّ برفعه إليه، وذاك إذا كان خالصاً لوجهه الكريم‏.‏ وما فسَّر به مجاهد، فَيُوَافِقُ التفسيرَ الأوَّل‏.‏